الشيخ محمد رشيد رضا
490
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( قصص الرسل المشهورين مع أقوامهم ) هذا سياق جديد في قصص الأنبياء المرسلين المشهور ذكرهم في الأمة العربية والشعوب المجاورة لها قد سبق التمهيد له فيما تقدم من نداء اللّه تعالى لبني آدم بقوله ( يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ) - إلى آخر الآيتين 33 و 34 - ومنه يعلم وجه التناسب واتصال الكلام قال تعالى : ( قصة نوح عليه السّلام ) * * * ( لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ ) بدأ اللّه تعالى هذه القصة بالقسم لتأكيد خبرها لأول من وجه إليهم الخطاب بها وهم أهل مكة ومن وراءهم من العرب إذ كانوا ينكرون الرسالة والوحي ، على كونهم أميين ليس عندهم من علوم الأمم وقصص الرسل شيء . إلا أن يكون كلمة في بيت شعر مأثور أو عبارة ناقصة من بعض أهل الكتاب حيث كانوا يلقونهم من بلاد العرب أو الشام أو ممن تهود أو تنصر منهم ، وكلهم أو جلهم ظلوا على أميتهم . والقسم محذوف دل عليه لامه في بدء الجملة وهي لا تكاد تجيء إلا مع قد لأنها مظنة التوقع ، ونوح أول رسول أرسله اللّه تعالى إلى قوم مشركين هم قومه كما ثبت في حديث الشفاعة وغيره ، وتقدم التحقيق في هذه المسألة في تفسير سورة الأنعام عند البحث في عدد الرسل المذكورين في الآن وهل يعد آدم منهم أم لا ؟ ( ص 602 ج 7 ) واخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس أن قوم نوح هم الذين صوروا بعض الصالحين منهم ثم وضعوا لهم الصور والتماثيل لاحياء ذكرهم والاقتداء بهم ، ثم عبدوا صورهم وتماثيلهم وقد تقدم بيان هذا في تفسير الانعام ( ص 545 ج 7 ) وغيره ( فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ) أي فناداهم بصفة القومية مضافة اليه استمالة لهم ، ودعاهم إلى عبادة اللّه تعالى وحده مع بيان أنه ليس لهم إله غيره يتوجهون اليه في عبادتهم ، بدعاء يطلبون به مالا يقدرون عليه بكسبهم ، وما جعله اللّه في استطاعتهم من الأسباب التي تنال بها المطالب ، فان مثل هذا هو الذي يتوجه في طلبه إلى الرب الخالق لكل شيء الذي بيده ملكوت كل شيء ، وهذا التوجه والدعاء هو مخ العبادة ولبابها فلا يحل لمؤمن باللّه تعالى أن يتوجه فيه إلى غيره البتة - لا استقلالا ولا بالتبع للتوجه إلى اللّه تعالى وإرادة التوسط به عنده